الشيخ محمد زاهد الكوثري

156

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )

والدليل على ذلك : أنه قد صحّ وثبت أن من شرط الصفة قيامها بالموصوف ، والدليل على صحة ذلك أولا : أن حد القديم ما لا أول لوجوده ولا آخر لدوامه ، وأن القديم لا يدخله الحصر والعد ، ونحن نعلم وكل عاقل أن هذه الأشكال من الحروف لم تكن قبل حركة الكاتب وإنما يحدثها اللّه مع حركة الكاتب شيئا فشيئا . ثم هي مختلفة الصور والأشكال ، ويدخلها الحصر والحد ، وتعدم بعد أن توجد ، وكل ذلك صفة المحدث المخلوق لمن كان له عقل سليم . وأيضا فإن حروف الكلمة يقع بعضها سابقا لبعض فعند خط الكاتب « با » قد حصلت وثبتت قبل خطه « سينا » وكذلك السين حصلت وثبتت قبل خطه « ميما » وكذلك النطق إذا تلفظ بالباء حصلت قبل السين وما تقدم بعضه على بعض وتأخر بعضه عن بعض فهو صفة الخلق لا صفة الحق « 1 » : وكذلك الأصوات يتقدم بعضها على بعض ويتأخر بعضها عن بعض ويخالف بعضها بعضا وكل ذلك صفة كلام الخلق لا صفة كلام الحق الذي هو قديم ليس بمخلوق . وأيضا فإن القول بقدم الأصوات والحروف يوجب القدم لجميع كلام الخلق ، وأصوات الناطق والصامت ، وهذا قول يؤدي إلى قدم جميع العالم أجمع ، وأيضا فإن الحروف التي يزعمون أنها قديمة وأنها صفة لكلامه تعالى لا يخلو إما أن تكون هذه الحروف التي تجري في كلام الخلق أو مثلها أو ضدها . فإن قالوا : إنها هي وجب قدم كلام الخلق ، وكذلك إن قالوا مثلها وجب ذلك أيضا ، لأن حد المثلين ما سدّ أحدهما مسدّ الآخر وناب منابه وساوقه من جميع الوجوه . وإن قالوا : بل هي مضادة لهذه الحروف فقد يقولون القول [ من غير ] أن يكون [ له ] معنى وهذا بين الفساد . ويدل على أن كلام اللّه القديم لا يجوز أن يكون حروفا وأصواتا ؛ ما روي عن ابن عباس أنه قال : لما سلط اللّه بختنصر على اليهود لما قتلوا يحيى عليه السلام سلطه عليهم فقتلهم وخرب بيت المقدس وحرق التوراة . قال عزير عليه السلام في جملة مناجاته : ( يا رب سلّط عليهم عدوا من أعدائك ، بطر رحمتك ، وأمن مكرك ، وهدم بيتك ، وحرق كتابك ) فأوحى اللّه تعالى إليه من جملة ما أوحى أن بختنصر إنما أحرق

--> ( 1 ) قال المصنف في النقض الكبير - كما في الشامل لإمام الحرمين - : ( من زعم أن السين من بسم اللّه بعد الباء ، والميم بعد السين الواقعة بعد الباء لا أول له فقد خرج عن العقول وجحد الضرورة وأنكر البديهة . فإن اعترف بوقوع شيء بعد شيء فقد اعترف بأوليته ، فإذا ادعى أنه لا أول له فقد سقطت محاجته وتعين لحوقه بالسفسطة ، وكيف يرجى أن يرشد بالدليل من يتواقح في جحد الضروري اه ) راجع ما علقناه على السيف الصقيل ( ص 462 ) ( ز ) .